السيد محمد باقر الصدر
324
بحوث في علم الأصول
ب - المقام الثاني : في البراهين التي أقيمت على إبطال هذه المقدميّة . أمّا المقام الأول : فيقرّب بعدة تقريبات : التقريب الأول ، هو : إنّ مقتضى المعاندة الموجودة بين الضدين ، أن يتوقف أحدهما على عدم الآخر ، لأنّ هذا هو معنى المضادة والمعاندة في الوجود ، فلكي يوجد أحدهما لا بدّ من إعدام الآخر . وهذا البيان بهذه الصيغة الساذجة يمكن رده ببرهان نقضي عليه ، كما في « الكفاية » « 1 » حيث يقال : لو كان مجرد المعاندة الثابتة بين الضدين ، تستلزم مقدميّة أحد الضدين للآخر ، لجرى الأمر نفسه في النقيضين أيضا ، حيث يقال : بأن رفع أحد النقيضين يكون مقدمة للآخر ، مع أنّ هذا مستحيل ، لأنّ رفع النقيض الآخر هو عين النقيض الآخر ، فيدور ، ويتوقف الشيء على نفسه . ويمكن التخلّص من هذا النقض ، وذلك بأن نضيف إلى قوله في أساس الدعوى : بأنّ المضادة والمعاندة بين أمرين تستدعي كون عدم أحدهما مقدّمة
--> ( 1 ) في النفس - من عدم مانعيّة هذا الضد بعد وجود مقتضيه - شيء ، بعد أن عرفت سابقا كما نقل في الحكمة ، أنه بمجرد وجود المقتضي . وطبعا ، المساوي فضلا عن الغالب ، يصير لوجود المقتضى ، تقدم بالطبع . وهنا في المقام . يفرض للسواد وجود متقدم بالطبع بمجرد فرض وجود مقتضيه . والكلام نفسه يقال حينئذ في مانعيّته أن لها تقدما ووجودا بعد أن صار وجود السواد المتقدم بالطبع مقتضيا لها . إذ ليس السواد إلّا ترجمة لمقتضيه كما كانت المانعية ترجمة لمقتضيها وعليه يقال : إنّه لا يعقل فرض وجود الوساد في عرض المانعية التي ليس لها تحقق في الخارج ، إلّا في السواد المتقدم بالطبع ، والذي يرافق وجوده وجود مقتضيه . ومن هنا يظهر أن صحة هذا البرهان موقوفة على افتراض وجود مقتضيين متساويين خارجا ، وهو خلف ممانعتهما . فإذا كان ارتفاعهما محالا أيضا ، إذن فلا بدّ من وجود أحدهما ولو تخييرا أو لأقوائية أحد المقتضيين ، أو لوجود ضد ثالث لو قيل بارتفاعهما ، وبهذا يثبت البرهان ويصح ببيانه الأول .